ابن كثير
145
البداية والنهاية
" إن الفتنة تجئ فتنسف العباد نسفا ، وينجو العالم منها بعلمه " . قال النسائي : إبراهيم بن أدهم ثقة مأمون أحد الزهاد . وذكر أبو نعيم وغيره أنه كان ابن ملك من ملوك خراسان ، وكان قد حبب إليه الصيد ، قال : فخرجت مرة فأثرت ثعلبا فهتف بي هاتف من قربوس سرجي : ما لهذا خلقت ، ولا بهذا أمرت . قال : فوقفت وقلت : انتهيت انتهيت ، جاءني نذير من رب العالمين . فرجعت إلى أهلي فخليت عن فرسي وجئت إلى بعض رعاة أبي فأخذت منه جبة وكساء ثم ألقيت ثيابي إليه ، ثم أقبلت إلى العراق فعملت بها أياما فلم يصف لي بها الحلال ، فسألت بعض المشايخ عن الحلال فأرشدني إلى بلاد الشام فأتيت طرسوس فعملت بها أياما أنظر البساتين وأحصد الحصاد ، وكان يقول : ما تهنيت بالعيش إلا في بلاد الشام . أفر بديني ما شاهق إلى شاهق ومن جبل إلى جبل ، فمن يراني يقول : هو موسوس . ثم دخل البادية ودخل مكة وصحب الثوري والفضيل بن عياض ودخل الشام ومات بها ، وكان لا يأكل إلا من عمل يديه مثل الحصاد وعمل الفاعل وحفظ البساتين وغير ذلك وما روي عنه : أنه وجد رجلا في البادية فعلمه اسم الله الأعظم فكان يدعو به حتى رأى الخضر فقال له : إنما علمك أخي داود اسم الله الأعظم ، ذكره القشيري وابن عساكر عنه بإسناد لا يصح . وفيه أنه قال له : إن إلياس علمك اسم الله الأعظم . وقال إبراهيم : أطب مطعمك ولا عليك أن لا تقوم الليل ولا تصوم النهار . وذكر أبو نعيم عنه : أنه كان أكثر دعائه اللهم انقلني من ذل معصيتك إلى عز طاعتك . وقيل له إن اللحم قد غلا فقال : ارخصوه أي لا تشتروه فإنه يرخص . وقال بعضهم ( 1 ) : هتف به الهاتف من فوقه يا إبراهيم ما هذا العبث ( أفحسبتم إنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون ) [ المؤمنون : 115 ] اتق الله وعليك بالزاد ليوم القيامة ( 2 ) . فنزل عن دابته ورفض الدنيا وأخذ في عمل الآخرة . وروى ابن عساكر بإسناد فيه نظر في ابتداء أمره قال : بينما أنا يوما في منظرة لي ببلخ وإذا شيخ حسن الهيئة حسن اللحية قد استظل بظلها فأخذ بمجامع قلبي ، فأمرت غلاما فدعاه فدخل فعرضت عليه الطعام فأبى فقلت : من أين أقبلت ؟ قال : من وراء النهر . قتل : أين تريد ؟ قال الحج . قلت : في هذا الوقت ؟ - وقد كان أول يوم من ذي الحجة أو ثانيه - فقال : يفعل الله ما يشاء . فقلت : الصحبة . قال : إن أحببت ذلك فموعدك الليل ، فلما كان الليل جاءني فقال : قم بسم الله فأخذت ثياب سفري وسرنا نمشي كأنما الأرض تجذب من تحتنا ، ونحن نمر على البلدان ونقول : هذه فلانة هذه فلانة ، فإذا كان الصباح فارقني ويقول : موعدك الليل ، فإذا كان الليل جاءني ففعلنا مثل ذلك . فانتهينا إلى مدينة النبي صلى الله عليه وسلم ثم سرنا إلى مكة فجئناها ليلا فقضينا الحج مع الناس ثم رجعنا إلى الشام فزرنا بيت المقدس
--> ( 1 ) وهي رواية يونس بن سليمان البلخي كما في صفة الصفوة 4 / 152 . ( 2 ) في صفة الصفوة : الفاقة .